الشوكاني

109

فتح القدير

والرذالة الخسة والذلة ، استرذلوهم لقلة أموالهم وجاههم ، أو لا تضاع أنسابهم . وقيل كانوا من أهل الصناعات الخسيسة ، وقد تقدم تفسير هذه الآيات في هود . وقرأ ابن مسعود والضحاك ويعقوب الحضرمي " وأتباعك الأرذلون " قال النحاس : وهي قراءة حسنة ، لأن هذه الواو تتبعها الأسماء كثيرا ، وأتباع جمع تابع ، فأجابهم نوح بقوله ( وما علمي بما كانوا يعملون ) كان زائدة ، والمعنى : وما علمي بعملهم : أي لم أكلف العلم بأعمالهم ، إنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان والاعتبار به ، لا بالحرف والصنائع والفقر والغنى ، وكأنهم أشاروا بقولهم ( واتبعك الأرذلون ) إلى أن إيمانهم لم يكن عن نظر صحيح فأجابهم بهذا . وقيل المعنى : إني لم أعلم أن الله سيهديهم ويضلكم ( إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون ) أي ما حسابهم والتفتيش عن ضمائرهم وأعمالهم إلا على الله لو كنتم من أهل الشعور والفهم ، قرأ الجمهور " تشعرون " بالفوقية ، وقرأ ابن أبي عبلة وابن السميفع والأعرج وأبو زرعة بالتحتية ، كأنه ترك الخطاب للكفار والتفت إلى الإخبار عنهم . قال الزجاج : والصناعات لا تضر في باب الديانات وما أحسن ما قال ( وما أنا بطارد المؤمنين ) هذا جواب من نوح على ما ظهر من كلامهم من طلب الطرد لهم ( إن أنا إلا نذير مبين ) أي ما أنا إلا نذير موضح لما أمرني الله سبحانه بإبلاغه إليكم ، وهذه الجملة كالعلة لما قبلها ( قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين ) أي إن لم تترك عيب ديننا وسب آلهتنا لتكونن من المرجومين بالحجارة ، وقيل من المشتومين ، وقيل من المقتولين ، فعدلوا بعد تلك المحاورة وبينهم وبين نوح إلى التجبر والتوعد فلما سمع نوح قولهم هذا ( قال رب إن قومي كذبون ) أي أصروا على تكذيبي ، ولم يسمعوا قولي ولا أجابوا دعائي ( فافتح بيني وبينهم فتحا ) الفتح الحكم : أي احكم بيني وبينهم حكما ، وقد تقدم تحقيق معنى الفتح ( ونجني ومن معي من المؤمنين ) فلما دعا ربه بهذا الدعاء استجاب له فقال ( فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون ) أي السفينة المملوءة ، والشحن ملء السفينة بالناس والدواب والمتاع ( ثم أغرقنا بعد الباقين ) أي ثم أغرقنا بعد إنجائهم الباقين من قومه ( إن في ذلك لآية ) أي علامة وعبرة عظيمة ( وما كان أكثرهم مؤمنين ) كان زائدة عند سيبويه وغيره على ما تقدم تحقيقه ( وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) أي القاهر لأعدائه ، الرحيم بأوليائه ( كذبت عاد المرسلين ) أنت الفعل باعتبار إسناده إلى القبيلة ، لأن عادا اسم أبيهم الأعلى . ومعنى تكذيبهم المرسلين مع كونهم لم يكذبوا إلا رسولا واحدا قد تقدم وجهه في قصة نوح قريبا ( إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون ) الكلام فيه كالكلام في قول نوح المتقدم قريبا ، وكذا قوله ( إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ) الكلام فيه كالذي قبله سواء ( أتبنون بكل ريع آية تعبثون ) الريع المكان المرتفع من الأرض جمع ريعة ، يقال كم ريع أرضك ؟ أي كم ارتفاعها . قال أبو عبيدة : الريع الارتفاع جمع ريعة . وقال قتادة والضحاك والكلبي : الريع الطريق ، وبه قال مقاتل والسدي . وإطلاق الريع على ما ارتفع من الأرض معروف عند أهل اللغة ، ومنه قول ذي الرمة : طراق الخوافي مشرف فوق ريعة * بذى ليلة في ريشه يترقرق وقيل الريع الجبل ، واحده ريعة ، والجمع أرياع . وقال مجاهد : هو الفج بين الجبلين ، وروى عنه أن الثنية الصغيرة ، وروى عنه أيضا أنه المنظرة . ومعنى الآية : أنكم تبنون بكل مكان مرتفع علما تعبثون ببنيانه وتلعبون بالمارة وتسخرون منهم ، لأنكم تشرفون من ذلك البناء المرتفع على الطريق فتؤذون المارة وتسخرون منهم . وقال الكلبي : إنه عبث العشارين بأموال من يمر بهم حكاه الماوردي . قال ابن الأعرابي : الريع الصومعة ، والريع البرج يكون في الصحراء ، والريع التل العالي ، وفي الريع لغتان كسر الراء وفتحها ( وتتخذون مصانع )